ابن الحسن النباهي الأندلسي

65

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

تتحامل لبعض رعيّتك على بعض ، وأنت تجد مندوحة أن ترضي من مالك من تعنى به ، وتمدّ الحق لأجله ؟ » فقال له : « جزاك اللّه ، يا بن ظريف ، خيرا ! » وخرج القاضي ؛ فدعا بالقوم الذين صارت الضيعة إليهم بالاستحقاق ، وكلّمهم ؛ فوجدهم راضين ببيعها ؛ إن أجزل لهم الثمن . فعقد فيها البيع معهم ، وصارت إلى حبيب . فكان بعد ذلك يقول : « جزى اللّه ابن ظريف عنّا خيرا ! كانت بيدي ضيعة حرام ؛ فجعلها حلالا ! » وكان هذا القاضي ، من زهده وورعه ، إذا شغل عن القضاء يوما واحدا ، لم يأخذ لذلك اليوم أجرا . ذكر القاضي يحيى بن معمر « 1 » ومنهم يحيى بن معمر . له رحلة إلى المشرق ، لقي فيها أشهب بن عبد العزيز ، وسمع منه ومن غيره . وكان في مذهبه ورعا ، زاهدا ، فاضلا . استقضاه الأمير عبد الرحمن « 2 » . وكان صليب القناة ، قليل المبالاة بالعتب في سبيل الحقّ ؛ وكان ، إذا أشكل عليه أمر من أحكامه ، كتب فيه إلى أصبغ بن الفرج ونظرائه بمصر ، فكشفهم عن وجه ما يريد علمه ؛ فيحقّق عليه ذلك فقهاء الأندلس . وكان هو قليل الرضا عن طلبة قرطبة ، شديد التقضّي عليهم ، لا يلين لهم في شيء ممّا يريدون ، ولا يصغي إليهم ؛ وبلغ من تجاهله عليهم أن سجّل بالسخطة على تسعة عشر منهم ؛ فنفروا عنه بأجمعهم . ونشأت بينه وبين يحيى بن يحيى لأجل ذلك عداوة ، فسعى في عزله عند الأمير ، وأقام عليه بما زعمه الشهود ، فعزله . ولمّا احتضر ابن معمر ، وهو ببلد إشبيلية ، وأيقن بالموت ، قال لمولى له ، على ما حكاه الزاهد عثمان بن سعيد : « أقسمت عليك ، إذا أنا متّ ، إلّا ما ذهبت إلى قرطبة ؛ فقف بيحيى بن يحيى ، وقل له : يقول لك ابن معمر : وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ « 3 » . ففعل ذلك مولاه لمّا مات سيّده ، وبلغ يحيى ما

--> ( 1 ) ترجمة القاضي يحيى بن معمر في قضاة قرطبة ( ص 103 - 109 ، 112 ) والمغرب في حلى المغرب ( ج 1 ص 147 - 148 ) وجذوة المقتبس ( ص 379 ) وبغية الملتمس ( ص 507 ) وتاريخ علماء الأندلس ( ص 897 - 898 ) . ( 2 ) هو الأمير عبد الرحمن الأول الذي حكم الأندلس من عام 138 ه حتى عام 172 ه . ( 3 ) سورة الشعراء 26 ، الآية : 227 .